أحمد ياسوف

46

دراسات فنيه في القرآن الكريم

العرب كالحاقة والصاخة والقارعة وغير هذا مما يوجب تقليب النظر وتعديل الرأي . وكذلك ينتقي القرآن كلمة « رب » في مكان احتياج الموقف إلى إظهار الربوبية والافتقار لها ، ولا يضع غيرها من أسمائه الحسنى عز وجل ، فقد اطّرد ذكر هذه المفردة في حال الدعاء ، إذ يكون المرء في ضعف وانكسار مثل رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا [ غافر : 7 ] ، ومثل هذه المراعاة كثير . والاحتكام إلى النظم وحده يهمل إيحاء الصوت بالموقف المصوّر ، ولنذكر للتوضيح قوله عز وجل : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ، أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] فالكلمتان المتضادتان أشداء ورحماء تحملان صورة الموقفين الشدة والرحمة في طيات الإيقاع الداخلي ، وتنقلان المستوى النفسي للصحابة الكرام . إننا نجد الشدة داخل « أشدّاء » ، وذلك لوجود تصويت انفجاري مضعّف على الدال ، هذا النفس الشديد يعني انقطاعا فالصلابة في الصوت والمعنى ، في حين نجد في « رحماء » تواصلا إذ لا سكوت في التركيب ، وهذا يعني أن الشدة مؤقتة آنية والرحمة متواصلة مع تواصل السهولة من الضم إلى الفتح إلى مد الألف ، وكان الزمن لا يقف في نطق رحماء وفي تطبيق الرحمة فالمرونة في الصوت والمعنى . وكذلك تتجلى المقاطع الصوتية المفتوحة في « رحماء » أكثر مما تتجلى في « أشدّاء » ، والمفتوحة منها توحي بالارتياح وانبساط النفس ، وبما أن اللفظتين متراسلتان من حيث السجع ، فإن هذا يؤكد وجوب حصول الحالين الشدة والرحمة . ومما يلفت الانتباه أن الجاحظ الذي أسس بشكل غير مباشر النظرة إلى النظم فنحا الدارسون نحوه ، هو أول من يبدي تأملا عميقا فاحصا في